أحمد مصطفى المراغي
6
تفسير المراغي
( 3 ) أكثر العلماء على أن الإسراء كان بالروح والبدن يقظة لا مناما ، ولهم على ذلك أدلة : ( ا ) إن التسبيح والتعجب في قوله : سبحان الذي أسرى بعبده - إنما يكون في الأمور العظام - ولو كان ذلك مناما لم يكن فيه كبير شأن ولم يكن مستعظما . ( ب ) إنه لو كان مناما ما كانت قريش تبادر إلى تكذيبه ، ولما ارتد جماعة ممن كانوا قد أسلموا ، ولما قالت أم هانئ لا تحدّث الناس فيكذبوك ، ولما فضّل أبو بكر بالتصديق ، وجاء في الحديث عن أبي هريرة أنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم « لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراى ، فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها ( لم أعرفها حق المعرفة ) فكربت كربا ما كربت مثله قط ، فرفعه اللّه لي انظر إليه ، فما سألوني عن شئ إلا أنبأتهم به » الحديث . ( ج ) إن قوله ( بعبده ) يدل على مجموع الروح والجسد . ( د ) إن ابن عباس قال في قوله « وما جعلنا الرّؤيا الّتى أريناك إلّا فتنة للنّاس » هي رؤيا عين أريها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ليلة أسرى به ، ويؤيده أن العرب قد تستعمل الرؤيا في المشاهدة الحسية ألا ترى إلى قول الراعي يصف صائدا : وكبّر للرؤيا وهشّ فؤاده * وبشّر قلبا كان جمّا بلابله ( ه ) إن الحركة بهذه السرعة ممكنة في نفسها ، فقد جاء في القرآن أن الرياح كانت تسير بسليمان عليه السلام إلى المواضع البعيدة في الأوقات القليلة ، فقد قال تعالى في صفة سير سليمان عليه السلام . « غدوّها شهر ورواحها شهر » وجاء فيه أن الذي عنده علم من الكتاب أحضر عرش بلقيس من أقصى اليمن إلى أقصى الشام في مقدار لمح البصر كما قال تعالى : « قال الّذى عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتدّ إليك طرفك » وإذا جاز هذا لدى طائفة من الناس جاز لدى جميعهم .